المقريزي
314
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
إلى أن كان السّادس من الأنبياء النّطقاء نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، فإنّه نطق بشريعة نسخ بها جميع الشّرائع التي جاء بها الأنبياء من قبله ، وكان صاحبه وسوسه عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ثم من بعد عليّ ستّة صمتوا على الشّريعة المحمّدية ، وقاموا بميراث أسرارها ، وهم : ابنه الحسن ، ثم ابنه الحسين ، ثم عليّ بن الحسين ، ثم محمّد بن عليّ ، ثم جعفر بن محمّد ، ثم إسماعيل بن جعفر الصّادق ، وهو آخر الصّمت من الأئمّة المستورين . والسّابع من النّطقاء هو صاحب الزّمان ، وعند هؤلاء الإسماعيلية أنّه محمّد بن إسماعيل بن جعفر ، وأنّه الذي انتهى إليه علم الأوّلين ، وقام بعلم بواطن الأمور وكشفها ، وإليه المرجع في تفسيرها دون غيره ، وعلى جميع الكافّة اتّباعه والخضوع له والانقياد إليه والتّسليم له ، لأنّ الهداية في موافقته واتّباعه ، والضّلال والحيرة في العدول عنه . فإذا تقرّر ذلك عند المدعو ، انتقل الدّاعي إلى الدّعوة الخامسة . الدّعوة الخامسة - مترتّبة على ما قبلها ، وذلك أنّه إذا صار المدعو في الرّتبة الرّابعة من الاعتقاد ، أخذ الدّاعي يقرّر أنّه لا بد مع كلّ إمام قائم في كلّ عصر حجج متفرّقون عليهم تقوم الأرض في جميع جهاتها ، وعدّة هؤلاء الحجج أبدا اثنا عشر رجلا في كلّ زمان ، كما أنّ عدد الأئمّة سبعة . ويستدلّ لذلك بأمور : منها أنّ اللّه تعالى لم يخلق شيئا عبثا ، ولا بدّ في خلق كلّ شيء من حكمة ، وإلّا فلم خلق النّجوم التي بها قوام العالم سبعة ، وجعل أيضا السّموات سبعا ، والأرضين سبعا ، والبروج اثنى عشر ، والشّهور اثنى عشر شهرا ، ونقباء بني إسرائيل اثنى عشر نقيبا ، ونقباء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من الأنصار اثنى عشر نقيبا . وخلق تعالى في كفّ كلّ إنسان أربع أصابع ، وفي كلّ إصبع ثلاثة شقوق ، تكون جملتها اثني عشر شقّا . على أنّه في كلّ يد إبهام وفي كلّ إبهام شقّان إشارة ودلالة على أنّ الإنسان بدنه كالأرض ، وأصابعه كالجزائر الأربع ، والشّقوق التي في الأصابع كالحجج ، والإبهام الذي به قوام جميع الكفّ وسداد الأصابع ، كالذي يقوم الأرض بعدد ما فيها ، والشّقّان اللذان في الإبهام إشارة إلى أنّ الإمام وسوسه لا يفترقان . ولذلك صار في ظهر الإنسان اثنتا عشرة خرزة إشارة إلى الحجج الاثني عشر ، وصار في عنقه سبع ، فكان العنق عاليا على خرزات الظّهر ، وذلك إشارة إلى الأنبياء النّطقاء والأئمّة السبعة ، وكذلك الأثقاب السّبعة التي في وجه الإنسان العالي على بدنه وأشياء من هذا النّوع كثيرة . فإذا تمهّد عند المدعو ما دعاه إليه الدّاعي وتقرّر ، نقله حينئذ إلى الدّعوة السّادسة .